شهدت العقود الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في نبرة بعض الأكاديميين والمتخصصين في العلوم المادية،كالفيزياء، والطب، والذكاء الاصطناعي تجاه العلوم الإنسانية كالفلسفة، وعلم الاجتماع، والتاريخ، ويتجلى هذا التطاول والتغول في محاولة اختزال الوجود الإنساني بأكمله في معادلات رياضية أو تفاعلات عصبية، واعتبار العلوم الإنسانية مجرد «تكهنات» لا قيمة علمية لها.
جذور المشكلة
يعود هذا السلوك إلى ما يُعرف بـ “النزعة العلموية” Scientism، وهي اعتقاد أعمى بأن المنهج التجريبي المختبري هو السبيل الوحيد للوصول إلى الحقيقة، وهذا يذكرنا بما ذهب إليه أغوست كونت (1798- 1857) حين توهم تحت تأثير النزعة الوضعية وانبهاره بإنجازات العلم، بأنه يمكن تحويل المجتمع إلى مختبر كبير.
كما يرى هؤلاء المتخصصون في العلوم المادية، أن المشاعر، والقيم، والثقافات، يمكن تفسيرها بالكامل عبر حركة الذرات، مغفلين عمداً الأبعاد الروحية والاجتماعية التي لا تخضع للمقياس المادي.
لقد أدت الطفرة التقنية الهائلة إلى شعور زائف بالاستغناء عن الفلسفة والأخلاق، مما دفع البعض لتجاوز تخصصاتهم وإصدار أحكام قطعية في مسائل إنسانية معقدة.
إن هذا التغول لا يمثل مجرد جدل أكاديمي، بل يحمل مخاطر حقيقية على مستقبل البشرية، فإنتاج تقنيات مرعبة، كالذكاء الاصطناعي الفائق أو الهندسة الوراثية، دون تلمّس أبعادها الأخلاقية والاجتماعية التي تصوغها العلوم الإنسانية، وتحويل الإنسان إلى مجرد «آلة بيولوجية» مستهلِكة، وتجريده من أدوات النقد والتحليل الثقافي، يمثل تسطيحا للوعي البشري، وتعدٍّ على الإنسانية.
إن العلم المادي يجيب عن سؤال “كيف” تعمل الأشياء، لكنه يقف عاجزاً تماماً عن الإجابة عن سؤال “لماذا” نعيش، وما هي القيمة والأخلاق؟ وهي أسئلة من اختصاص العلوم الإنسانية حصراً. فالعالم اليوم، يحتاج أكثر من أي وقت مضى، إلى تكامل معرفي لا إلى صراع تخصصات. فالتطور المادي بلا توجيه إنساني وفلسفي هو سير أعمى نحو الهاوية، وعلى علماء الماديات إدراك حدود مختبراتهم واحترام التخصصات التي تبني روح الإنسان وعقله الأخلاقي.
ما دفعنا إلى تناول هذا الموضوع، هو ما نشهده على الساحة الأكاديمية في ليبيا، فضلا عن ما شهدته الساحة العلمية في العالم أجمع، من تصريحات علنية لعلماء بارزين في الفيزياء والكونيات، عبروا فيها بصراحة عن تهميشهم للعلوم الإنسانية، وخاصة الفلسفة. إليك أبرز الأمثلة على ذلك:
1. ستيفن هوكينغ (Stephen Hawking)
في كتابه “التصميم العظيم” The Grand Design الصادر عام 2010، أطلق الفيزيائي البريطاني الشهير تصريحاً أثار جدلاً واسعاً عندما كتب حرفياً: “الفلسفة قد ماتت” وواصل قائلاً: إن الفلسفة لم تواكب التطورات الحديثة في العلوم، وخاصة الفيزياء، وأن علماء الفيزياء أصبحوا هم حاملي شعلة الاكتشاف في رحلتنا للمعرفة. واعتبر أن الأسئلة الفلسفية التقليدية حول نشأة الكون يمكن الإجابة عنها بالكامل عبر النظريات الفيزيائية دون حاجة للفلاسفة.
2. لورانس كراوس Lawrence Krauss))
الفيزيائي وعالم الكونيات الأمريكي، وصاحب كتاب “كون من لا شيء”. في مقابلة شهيرة مع مجلة The Atlantic عام 2012، شن هجوماً لاذعاً على الفلسفة، ووصفها بأنها “عديمة الفائدة” وتفتقر إلى القدرة على التقدم. وقال إن الفلسفة يقتصر دورها الآن على التفكير في أشياء حسمها العلم بالفعل، وأضاف متهكماً: “الفلسفة تجعل الفلاسفة يشعرون بالرضا، لكنها لا تؤثر على تقدم علم الفيزياء الكوني”.
3. نيل ديغراس تايسون (Neil deGrasse Tyson)
عالم الفيزياء الفلكية ومبسط العلوم الأمريكي الشهير، نصح طلاب العلوم بالابتعاد عن دراسة الفلسفة، معتبراً إياها مضيعة للوقت، وتؤدي إلى “تشتيت العقل وتأخير التقدم العلمي”. ويرى أن الأسئلة الفلسفية حول “ماهية المعرفة” أو “معنى الواقع” هي أسئلة دائرية لا تقدم إجابات عمليّة ملموسة كالعلم المادي
4. ريتشارد فاينمان (Richard Feynman)
وهو حاصل على جائزة نوبل في الفيزياء، نُقلت عنه مقولات ساخرة تقلل من شأن الفلسفة والعلوم الإنسانية، ومن أشهرها: “فلسفة العلوم مفيدة للعلماء بقدر فائدة علم الطيور للطيور.” وكان يرى أن الممارسة العلمية المادية مستقلة تماماً بذاتها، ولا تحتاج إلى أي إطار أخلاقي أو معرفي تفسره العلوم الإنسانية لتوجيهها.
لقد واجه الفلاسفة والمفكرون (وبعض العلماء المنصفين) هذه التصريحات بحجج قوية تبين تهافت النزعة العلموية، وتؤكد أن الهجوم على الفلسفة يقع في فخ التناقض الذاتي أو الانتحار الفلسفي. إليك أبرز الردود.
أبرز الردود ركزت على أن التصريحات التي تهاجم الفلسفة هي في حد ذاتها مواقف فلسفية. أي أن دحض الفلسفة ما هو إلا فلسفة. فعندما يقول هوكينغ “الفلسفة ماتت”، أو يقول كراوس إنها “عديمة الفائدة”، فهذه ليست فرضيات فيزيائية تم إثباتها في المختبر، بل هي أحكام قيمة فلسفية (تنتمي لـ “إبستمولوجيا” أو فلسفة العلم). بالتالي، هم يمارسون الفلسفة لكي يهاجموها. وقد عبر المفكر البريطاني جون غراي (John Gray) عن هذا التناقض وعلّق ساخراً بأن هؤلاء العلماء يمارسون “فلسفة رديئة وهواة” دون أن يشعروا.
أما الفيلسوف الأمريكي المعاصر دانيال دينيت رد بقوة على هجمات الفيزيائيين، مبيناً أن العلم لا يمكنه الانفصال عن جذوره الفلسفية، وقال مقولته الشهيرة: “لا يوجد شيء اسمه علم خالٍ من الفلسفة؛ هناك فقط علم يتم ممارسته دون فحص خلفيته الفلسفية.”
ويمكن تلخيص فحوى الردود بالقول: إن العلم المادي مليء بالافتراضات المسبقة التي لا يمكن للمختبر إثباتها، مثل: (أن الطبيعة منظمة، وأن عقولنا قادرة على فهمها، وأن المستقبل سيكون مثل الماضي). هذه كلها قضايا فلسفية تسبق أي تجربة فيزيائية. العلم يجيب عن الأسئلة التجريبية، بينما الفلسفة والعلوم الإنسانية تجيب عن الأسئلة المفاهيمية والأخلاقية. فالفيزياء يمكنها إخبارك كيف تبني قنبلة ذرية، لكنها لا تملك أي أدوات فيزيائية لإخبارك هل من الأخلاقي إسقاطها أم لا.
وأخيرا نختم بالقول: إن العلوم المادية أدوات تفسر الظواهر، لكنها لا تملك احتكار الحقيقة، ولا توفر إطاراً قِيَمياً أو دلالياً لمعنى الوجود. وتهميش العلوم الإنسانية هو تعبير عن “غرور معرفي” يهدد بتحويل العلم الصرف إلى أيديولوجيا
