حنابلة بغداد: الشعبوية المبكرة والصراع على السنة

في كتابه طبقات الحنابلة، يصف ابن أبي يعلى تعاظم نفوذ البربهاري، شيخ الحنابلة في بغداد في مطلع القرن الرابع الهجري، فيقول إنه قد بلغ من كثرة أصحاب البربهاري أنه عطس وهو يجتاز بالجانب الغربي من بغداد، فشمته أصحابه، فارتفعت ضجتهم حتى سمعها الخليفة الراضي وهو في روشنه، فسأل عن الحال، فأخبر بها، فاستهولها. لا يخفى ما في رواية ابن أبي يعلى من المبالغة، لكن المفارقة التاريخية تتجلى حين يستدعي الفقيه الهندي أبو الحسن الندوي تلك الرواية حديثًا لوصف نفوذ حسن البنا وهيمنته على الإخوان المسلمين، حيث قال حين زار مصر مقولته الشهيرة، لو عطس حسن البنا في القاهرة، لشمّته أصحابه في أسوان.

لا ينتمي الإخوان المسلمون إلى التيار السلفي المعاصر، لكن تجربة حنابلة بغداد خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين (العاشر والحادي عشر الميلاديين) تجسد نموذجا مبكرا لنشأة تيار ديني شعبوي قادر على تعبئة الشارع (العامة) انطلاقا من أيديولوجية دينية أخلاقية صارمة متمردة على المؤسسات الدينية التقليدية وتسعى إلى استرداد ماضٍ ديني مثالي متخيّل.

إن التقارب بين تجربة حنابلة بغداد وتجربة السلفية المعاصرة وغيرها من التيارات الدينية الاجتماعية لا يقتصر إذن على الصلة العقائدية رغم أهميتها. فقد كان حنابلة بغداد في ذلك الوقت هم من وضعوا الصيغ الناضجة لعقائد أهل السنة التي سترثها السلفية المعاصرة، كما خاضوا صراعا مع الأشاعرة حول حقيقة مذهب السنة ومن هم الأجدر بهذا الاسم، وهو ما انتهى تاريخيا بانتصار الأشاعرة وتغلب مذهبهم، قبل أن تقع المفارقة التاريخية الكبرى متجلية في نهوض المذهب الحنبلي التاريخي من رماد الموات التاريخي كالعنقاء عبر نشاط الحركة الوهابية في الحجاز وامتداده إلى حركات الإحياء الإسلامي في مصر في مطلع القرن العشرين، وصولا إلى الصحوة السلفية في السبعينات.

فلا يتوقف أثر التجربة الحنبلية على السلفية المعاصرة عند تلك النقطة، بل يمتد إلى التناظر البنيوي في تكوين تلك الحركات وسماتها السياسية والاجتماعية والفكرية، ما يجعل البحث التاريخي يتقاطع مباشرة مع البحث الاجتماعي المعرفي والسياسي في واقع السلفية المعاصرة والحركات الإسلامية الشعبوية.

نشأة الحركة الحنبلية في بغداد

مات الإمام أحمد بن حنبل سنة 241هـ/855م ولم يترك وراءه مذهبا حنبليا منظما في الفقه، لكنه ترك وراءه كما هائلا من الأجوبة على أسئلة أصحابه وطلابه الذين جمع كثير منهم أجوبة ابن حنبل عليها في كتب المسائل مثل مسائل أبي داود لأبي داود سليمان بن أشعث السجستاني، ومسائل الإمام أحمد لابنه عبد الله بن حنبل، ومسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه لإسحاق بن منصور المروزي المعروف بالكوسج، ومسائل الإمام أحمد التي جمعها حرب بن إسماعيل الكرماني. وكان أبو بكر الخلال (ت. 275هـ/889م) هو المؤسس التاريخي لمذهب الحنابلة، حيث جمع الروايات والمسائل المتفرقة وصنّفها، وبذلك أسهم في صناعة مذهب أحمد كمذهب فقهي متكامل[1].

لكن التجسد الاجتماعي للمذهب الفقهي تحقق على يد الحسن بن علي البربهاري (ت. 329هـ/941م)، إذ تشكلت حوله شبكة من الوعاظ والأتباع تمتلك قدرة حقيقية على تعبئة الشارع. واكتسب الحنابلة قاعدة شعبية واسعة في بغداد، ولاسيما في الجانب الغربي (غرب دجلة)، وفي مناطق مثل باب البصرة (الجانب الجنوبي)[2]. وكان البربهاري نموذجًا فريدًا في الزعامة الحنبلية؛ إذ لم يقتصر نشاطه على التصنيف والتعليم كسائر فقهاء الحنابلة، بل امتد إلى التعبئة الاجتماعية والسعي إلى فرض الحدود الأخلاقية والمذهبية على الحياة اليومية.

ومن أقدم الوقائع التي تكشف التشكل الاجتماعي لحنابلة بغداد صراعهم مع الإمام محمد بن جرير الطبري (ت. 310هـ/923م) في السنوات الأخيرة من حياته. يعد الطبري أبرز أئمة التفسير والتاريخ في التراث الإسلامي، لكنه كان كذلك فقيهًا مجتهدًا اتبع فقه الشافعي ثم أنشأ لنفسه مذهبًا فقهيًا مستقلا. وقد ألّف الطبري كتابًا في اختلاف الفقهاء عرض فيه مذاهب أبي حنيفة ومالك والشافعي والأوزاعي، لكنه لم يدرج أقوال أحمد بن حنبل بوصفه من أصحاب المذاهب الفقهية، وكان ذلك مفهوما في ذلك الوقت الذي لم يكن قد نضج فيه مذهب الحنابلة بوصفه مذهبا مستقلا. ويذكر ابن الأثير أن الطبري كان يرى أحمد كمحدّث لا كفقيه بالمعنى الذي بنى عليه كتابه، وكان لهذا الموقف وقع شديد على الحنابلة في مرحلة كانوا يعملون فيها على تحويل تراث أحمد إلى مذهب فقهي متكامل[3].

ولم يكن الخلاف مع الطبري فقهيًا فقط، بل امتد إلى مسألة عقدية حساسة هي تفسير «المقام المحمود». فقد شاع في أوساط أصحاب الحديث، وأغلبهم من الحنابلة، تفسير منسوب إلى مجاهد يرى أن المقام المحمود هو أن يُقعَد النبي إلى جانب الله على العرش، بينما استنكر الطبري هذا التفسير. وترتبط بهذه المسألة الرواية التي تنسب إلى الطبري قوله: «سبحان من ليس له أنيس ولا له في عرشه جليس». فغضب الحنابلة منه وهاجموه ورموا داره بالمحابر والحجارة. وقد حاول الوزير علي بن عيسى أن ينظم مناظرة بين الطبري والحنابلة، فوافق الطبري بينما لم يحضر خصومه بحسب الرواية، واستمرت المضايقات حتى اضطر رجال الشرطة إلى حماية بيته. وعندما مات الطبري، دُفن ليلًا في داره بسبب الخوف من اضطرابات العامة[4].

ثم تجدد الصراع حول مسألة المقام المحمود حتى بعد رحيل الطبري، إذ يذكر المؤرخ العربي ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ في أحداث سنة 317هـ/929م أن صراعًا وقع في بغداد بين أصحاب أبي بكر المرُّوزي الحنبلي (ت. 275هـ/888م)، والمقصود هنا المروزي أحد أصحاب ابن حنبل، وبين غيرهم من العامة، وسبب ذلك أن أصحاب المروزي قالوا في تفسير قوله تعالى: «عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا» هو أن الله سبحانه يقعد النبي صلى الله عليه وسلم معه على العرش[5].

البربهاري: مرشد الحنابلة

ومع صعود الحسن بن علي البربهاري تجاوزت القوة الاجتماعية الحنبلية الخلافات النظرية، فقد أصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند قطاع من أتباع البربهاري ممارسة مباشرة في الحياة اليومية للمدينة، فقد انخرط الحنابلة في اقتحام البيوت، لإراقة الخمر، وكسرا آلات الغناء، والتعرض للمغنيات، ومراقبة علاقات الرجال بالنساء والغلمان، ونشاط الأسواق والمعاملات[6]. وهكذا شكلت الحنبلية حركة اجتماعية تحاول فرض نظام أخلاقي صارم على المجال العام.

ظهر هذا الصدام بوضوح سنة 321هـ/933م، في إطار الصراع السياسي الذي شهدته تلك الفترة بين الخليفة العباسي القاهر بالله، وأمير الجند علي بن يلبق، وهو صراع وقع ضمن إطار أوسع استمر لأكثر من قرنين من الصراع بين قادة العسكر والخليفة يشبه النشاط الانقلابي للحرس الإمبراطوري في أواخر عهد الإمبراطورية الرومانية.

نجح علي بن يلبق في السيطرة على مقاليد السلطة، فأشاع القاهر أو القوى الموالية له أن علي بن يلبق وكاتبه الحسن بن هارون يعتزمان الأمر بلعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر ما أثار اضطرابا شعبيا في بغداد، فأمر علي بن يلبق بالقبض على البربهاري، فاختفى، وقُبض على عدد من كبار أصحابه ونُفي بعضهم إلى البصرة. لكن الخليفة القاهر نجح في استغلال الاضطراب للتخلص من علي بن يلبق والأمر بقتله.

لكن تمدد نفوذ الحنابلة كقوة اجتماعية تلعب دورا وظيفيا في الصراع على السلطة سرعان ما أزعج السلطة العباسية. وبلغ التوتر ذروته سنة 323هـ/935م، حين اتخذ الخليفة الراضي إجراءات عنيفة ضد أصحاب البربهاري بعد أن اتسع تدخلهم في الحياة العامة. وأصدر صاحب الشرطة بدر الخرشني أمرًا بألا يجتمع اثنان من أصحاب البربهاري، وألا يناظروا علنًا عن مذهبهم، ثم صدر عن الخليفة توقيع شديد اللهجة يتهم الحنابلة بفرض آرائهم على الناس والاعتداء عليهم وإثارة الاضطرابات.

وفي سياق هذا الصراع وقعت حادثة إحراق أسواق الكرخ، وهي من أكثر الوقائع عنفًا في تاريخ الصراع المذهبي البغدادي في ذلك العصر. كان الكرخ من أهم مراكز التجارة في جنوب غرب بغداد، وكان في الوقت نفسه مركزًا اجتماعيًا وعلميًا للشيعة الإمامية. وقد أضرم قوم من الحنابلة النار في سوق الكرخ بعد القبض على أحد أصحاب البربهاري، فامتدت النيران إلى أجزاء ضخمة من الأسواق. وتورد إحدى الروايات احتراق ثمانية وأربعين صفًا من الدكاكين ومقتل رجال ونساء، ثم إصابة أسواق أخرى منها أسواق الحدادين والصيارفة والعطارين، واضطرت السلطة إلى تعويض بعض المتضررين[7].

والواقع أن مشكلة الخليفة الراضي مع الحنابلة لم تكن في صراعهم مع الشيعة وحده. فتوقيعه ضدهم يتحدث عن تدخلهم في حياة الناس وفرضهم معتقداتهم بالقوة وإثارة الفتن، كما يهاجم بعض ما ينسب إليهم في مسائل الصفات. ومن هنا جاء الأمر بتفريق أصحاب البربهاري وسجن بعضهم ونفي آخرين.

استمرت الحركة رغم محاولة تحجيمها في عهد الراضي. وفي سنة 327هـ/939م، وقع صدام مع أشخاص شاركوا في احتفالات ليلة النصف من شعبان، وقُبض على بعض قادة الحنابلة، بينما استمر البربهاري مختفيًا. وفي 329هـ/942م، وقعت محاولة حنبلية للاعتداء على مسجد شيعي كان قد أعيد بناؤه، وفي السنة نفسها مات البربهاري مختفيًا[8]. ويمكن اعتبار موته نهاية مرحلة خاصة من تاريخ الحنبلية البغدادية، هي مرحلة الزعيم الشعبي الكاريزمي القادر على تعبئة الشارع بدرجة واسعة. لكن الشبكات التي نشأت في تلك المرحلة ظلت موجودة، واستمرت الأسر العلمية الحنبلية والمساجد والوعاظ والجمهور الشعبي في لعب دور مهم في بغداد خلال القرن التالي.

التحول السياسي والممانعة الاجتماعية

في سنة 334هـ/945م، دخل البويهيون بغداد وسيطروا على الخلافة العباسية، وبدأت رعايتهم السياسية للمعتزلة والشيعة، وكلاهما خصوم الحنابلة. ولا يبدو أن البويهيين مارسوا قمعًا نشيطا للحنابلة، لكن الحنابلة لم يعد بإمكانهم ممارسة نفوذ اجتماعي في بيئة سياسية معادية لهم. وفي هذه البيئة ظهر فقهاء الحنابلة الأوائل الذين حافظوا على مذهب الحنابلة العقائدي والسني، مثل ابن بطة العكبري (ت. 387هـ/997م)، والحسن بن حامد الوراق (ت. 403هـ/1013م)، ثم القاضي أبو يعلى (ت. 458هـ/1066م). ومع هؤلاء، أخذت الحنبلية تتحول من مجرد موقف رافض للكلام إلى نسق عقائدي له نصوصه ومفاهيمه. يظهر ذلك بوضوح عند ابن بطة في كتابيه الإبانة الكبرى والإبانة الصغرى، ومن قبله في شرح السنة، وهو نص عقائدي تعليمي للبربهاري، حيث نجد تحديدًا تعليميًا لما ينبغي أن يعتقده صاحب السنة وما ينبغي رفضه من مقالات الجهمية والمعتزلة والرافضة وأهل الكلام.

لكن التحول الأبرز خلال الحقبة البويهية تمثل في النشاط الممانع الذي قاده الخليفة العباسي القادر بالله (حكم 381 و422هـ/991–1031م). كانت الخلافة في عهد القادر خاضعة عسكريًا وسياسيًا للهيمنة البويهية، كما كانت تواجه تحديًا في الشرعية من الخلافة الفاطمية الشيعية في القاهرة، فحاول القادر استعادة جزء من سلطة الخلافة من خلال المجال الديني. وفي هذا السياق صدرت أو رُعيت سلسلة من البيانات العقدية عُرفت بالاعتقاد القادري، هاجمت الاعتزال والعقائد الباطنية وبعض المعتقدات الشيعية وصيغت بلغة تقليدية قريبة من الوسط الحنبلي. وعاد الحنابلة بذلك إلى لعب دور سياسي وظيفي في إطار الصراع بين الخليفة العباسي والسلطان البويهي[9].

وفي القرن الخامس الهجري، ظهر القاضي أبو يعلى ابن الفراء (ت. 458هـ/1066م)، بوصفه أحد أهم رموز النضج الحنبلي، حيث مثَّل نمطًا مختلفًا عن البربهاري. فإذا كان البربهاري يرمز بدرجة كبيرة إلى الكاريزما والتعبئة والشعبوية، فإن أبا يعلى يمثل مؤسسات الفقه والقضاء والعلاقة بين الفقيه والسلطان. صنّف القاضي أبو يعلى في أصول الفقه والعقيدة والسياسة الشرعية والأحكام السلطانية، ودرّس أجيالًا من الحنابلة، وأصبح المذهب في عهده أكثر قدرة على المنافسة المؤسسية والعلمية مع المذاهب الأخرى[10].

رغم ذلك، بدأ بعض الحنابلة يقتربون من الأشاعرة، وكان على رأسهم أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي الذي كان صديقا للقاضي أبي بكر الباقلاني شيخ الأشاعرة. لكن هذا الخط ظل هامشيا في التقليد الحنبلي العامة[11].

الصراع على السنة

أنهى طغرل بك سلطان السلاجقة الحكم البويهي في بغداد سنة 447هـ/1055م. وهو ما مثل استعادة سنية في وجه النفوذ البويهي الشيعي المعتزلي. لكن الدولة السلجوقية حملت معها إلى بغداد صيغة أخرى من السنية، فقد كانت النخب العلمية القادمة من خراسان تعتمد المذهب الشافعي في الفقه والمذهب الأشعري في علم الكلام. ومع صعود الوزير نظام الملك (ت. 485هـ/1092م) حصلت هذه الشبكات على إمكانات مؤسسية هائلة. أنشأ نظام الملك سلسلة المدارس النظامية، واكتمل بناء النظامية في بغداد سنة 459هـ/1067م، حيث أصبحت النظامية مركزًا لفقهاء الشافعية الذين كان كثير منهم أشاعرة أو قريبين من الأشعرية[12]. ولذلك تغير ميزان القوة الثقافي في بغداد. ومن هنا بدأت سلسلة من الصراعات بين الأشاعرة والحنابلة في بغداد.

يذكر ابن الجوزي في كتابه المنتظم في أحداث سنة 447هـ/1055م فتنة عظيمة بين الحنابلة والأشاعرة، حتى تأخر الأشاعرة عن صلاة الجمعة خوفا من الحنابلة. ولا يشرح ابن الجوزي تفاصيل الصراع، ولكن من الواضح أن اقتراب التخلص من النفوذ الشيعي المعتزلي في ذلك الوقت، قد أطلق الصراع على تعريف مذهب السنة القويم بين الحنابلة والأشاعرة[13].

وتجسد الصراع الاجتماعي في معركة أيديولوجية أطلقها أبو نصر القشيري، نجل عبد الكريم القشيري صاحب الرسالة القشيرية في التصوف. زار القشيري بغداد سنة 469، وأثار الخلاف مع الحنابلة مؤكدا استقامة العقيدة الأشعرية، واتهم الحنابلة بالتجسيم، أي وصف الله بأن له جسما كأجسام البشر. واصطف إلى جانب القشيري الابن فقهاء الشافعية الكبار كأبي إسحاق الشيرازي. أما الحنابلة، فقد تزعمهم الشريف أبو جعفر بن أبي موسى (ت. 470هـ/1077م)، وهو تلميذ أبي يعلى وشيخ الحنابلة في بغداد[14].

اجتمع الحنابلة في مسجد أبي جعفر، ثم وقعت مشاجرة بينهم وبين أنصار القريشي، وتطور القتال مما أدى مقتل خياط من سوق التبن وجرح آخرين، مما استدعى تدخل السلطة، حيث كتب كبار فقهاء الشافعية كأبي إسحاق الشيرازي وأبي بكر الشاشي الفارقي يستدعيان تدخل نظام الملك، فكتب نظام الملك إلى الوزير فخر الدولة ابن جهير في بغداد يأمره بالتدخل. فجُمع أبو نصر القشيري، وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو سعد الصوفي، والشريف أبو جعفر الحنبلي، بحضور الوزير.

حاول أبو إسحاق تهدئة أبي جعفر، لكن أبا جعفر أجابه بأن الأشاعرة لم يظهروا عقيدتهم إلا بعد قدوم نظام الملك. ورفض أبو جعفر الصُلح، واحتج بالبيان العقائدي الذي كان القادر بالله قد أصدره موافقا لعقائد الحنابلة. وقرر ابن جهير حبس أبي جعفر للسيطرة على الاضطرابات، لكن الحبس أثار سخطا عاما، كما قرر أبو جعفر الإضراب عن الطعام حتى مرض. وانتهى الصراع بإطلاق سراح أبي جعفر وهو في مرض شديد، وعزل فخر الدولة ابن جهير.

ولم تمضِ سوى ست سنوات حتى تفجر الصراع من جديد بعد وصول أبي القاسم البكري المغربي إلى بغداد، وهو واعظ أشعري آخر. اتصل البكري بنظام الملك، فأكرمه وأجرى عليه راتبًا، ثم جاء إلى بغداد ووعظ في المدرسة النظامية، ثم بدأ يشن هجوما عنيفا على الحنابلة وصل إلى اتهامهم بالكفر، كما اعتبرهم مخالفين لمذهب أحمد بن حنبل نفسه. وقد تكاثر أنصار البكري، واشتد الصراع بينهم وبين الحنابلة، ووصل الأمر بهم إلى كبس (مداهمة) دور بني الفراء، وهم كبار فقهاء الحنابلة في ذلك الوقت، وأخذوا الكتب من بيوتهم.

وكان من بين تلك الكتاب، كتاب إبطال التأويلات لأخبار الصفات للقاضي أبي يعلى، وهو كتاب ينتقل فيه أبو يعلى من المواجهة الحنبلية التقليدية التي نراها عند ابن بطة مع المعتزلة والشيعة، إلى مواجهة مع الأشاعرة حول تأويل الصفات التي توحي بتشبيه الله بالبشر وبأن له جسمًا. وصار الكتاب يُقرأ على الملأ أمام البكري وهو على كرسي الوعظ، ويختار منه أنصار البكري العبارات التي يرون أنها تثبت أن الحنابلة وقعوا في التشبيه والتجسيم. وأصر البكري على الانتقال من النظامية التي هي مدرسة أشعرية إلى جامع المنصور في بغداد حيث يجتمع الجمهور، بحيث يحاول البكري نشر عقيدته وهجومه على الحنابلة. وقدمت السلطة الدعم والحماية للبكري وأطلق عليه ديوان الخلافة لقب «عَلَم السنة» في تحدٍّ واضح للحنابلة، وإعلان لتمكن الأشاعرة من بغداد بفضل دعم السلاجقة، وخاصة نظام الملك[15].

انحسار الحنابلة

وقد بدأ مذهب الحنابلة يتراجع بشدة خلال السنوات التالية، بحيث تمكنت المذاهب الكلامية المنافسة من اختراق الوسط الحنبلي نفسه كما يظهر في تجربة أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي، المتوفى سنة 513هـ/1119م. كان ابن عقيل تلميذًا لأبي يعلى، لكنه كان شديد الفضول الفكري وقرأ على المعتزلة والمتكلمين والصوفية، وأعجب بمذهب المعتزلة وأفكار الحلّاج، فرأى كبار الحنابلة أن هذا الانفتاح تجاوز حدود الجماعة، وقاد الشريف أبو جعفر بن أبي موسى حملة ضده، فاضطر إلى الاختفاء ثم قدم سنة 465هـ/1072م تراجعًا علنيًا عن بعض أفكاره[16].

ثم ظهر في القرن السادس أبو بكر ابن الجوزي (ت. 597هـ/1201م)، وهو أحد أعظم وعاظ وعلماء الحنابلة في بغداد[17]. لكنه وجه نقدًا شديدًا لبعض الاتجاهات الحنبلية نفسها في قضية الصفات، وفي كتابه دفع شبه التشبيه، هاجم التقليد الحنبلي الممتد إلى ابن حامد وأبي يعلى وابن الزاغوني (ت. 527هـ/1132م) صاحب الإيضاح في أصول الدين، لأنه رأى أنهم ذهبوا بعيدًا في تفسير بعض نصوص الصفات حتى منحوا خصوم الحنابلة مادة لاتهام المذهب بالتجسيم[18].

وفي الوقت نفسه، ظهر ضمن التقليد الحنبلي اتجاهات صوفي تزعمه الشيخ عبد القادر الجيلاني (ت. 561هـ/1166م)، الذي أصبح واحدًا من أقطاب التصوف الإسلامي[19]. ولكن في ذلك الوقت، بدأ مذهب الحنابلة ينتقل من بغداد إلى القدس التي كان صلاح الدين الأيوبي قد استردها من الصليبيين سنة 583هـ/1187م. وكان على رأس الحنابلة المقدسيين موفق الدين ابن قدامة (ت. 620هـ/1223م). وفي هذه البيئة، تطورت مدرسة حنبلية قوية في الشام، ومنها سيخرج بعد ذلك بقرن تقريبًا ابن تيمية الحراني (ت. 728هـ/1328م)، الذي أعاد بناء المذهب ويعد هو الإمام الفعلي للحنابلة والسلفيين المعاصرين.

البنية والتاريخ

تمثل تجربة حنابلة بغداد، بهذا المعنى، واحدة من اللحظات الأولى التي تحول فيها مذهب عقدي وفقهي إلى قوة اجتماعية شعبية ذات جمهور واسع، وشبكات من الوعاظ والفقهاء، وقدرة على احتلال المجال العام وفرض تصور أخلاقي صارم للحياة الاجتماعية. ومنذ البربهاري إلى أبي يعلى وأبي جعفر بن أبي موسى، لم يكن الحنابلة مجرد جماعة علماء تدافع عن مجموعة من الآراء في الصفات أو القرآن، بل كانوا جماعة اجتماعية تسعى إلى تعريف «السنة» نفسها، وتحديد حدود الجماعة الدينية، ومراقبة السلوك العام، والدخول في صراع مباشر مع الخصوم المذهبيين ومع السلطة حينًا، والتحالف معها أو أداء وظيفة سياسية في صراعاتها حينًا آخر.

ولهذا لم تكن العلاقة بين الحنابلة والسلطة علاقة معارضة أو موالاة ثابتة. فقد استخدمهم الخليفة العباسي في بعض اللحظات قوة اجتماعية سنية في مواجهة النفوذ الشيعي والمعتزلي، كما حدث في عهد القادر بالله، ثم وجدوا أنفسهم بعد قيام الدولة السلجوقية في مواجهة صيغة أخرى من السنية، أكثر اتصالًا بالمؤسسة والمدرسة والسلطة المركزية، يمثلها الشافعية والأشاعرة. وتحولت المعركة عندئذ من الدفاع عن السنة في مواجهة «أهل البدع» إلى صراع داخل السنة نفسها على احتكار اسمها وحق تمثيلها. وكانت فتنتا القشيري والبكري تعبيرًا اجتماعيًا وسياسيًا عن هذا التحول بقدر ما كانتا خلافًا نظريًا حول الصفات والتأويل.

لكن هزيمة الحنابلة في هذا الصراع لم تعن اختفاء التقليد الذي صنعوه. فقد انحسر نفوذهم في بغداد، وتعرض مذهبهم نفسه للاختراق والتحول، من عقلانية ابن عقيل النسبية إلى نقد ابن الجوزي للتجسيم وصوفية عبد القادر الجيلاني، قبل أن ينتقل مركز ثقله إلى الشام ويعاد تشكيله مع ابن قدامة ثم ابن تيمية. ومن هنا لا ينبغي البحث عن خط نسب مستقيم يصل البربهاري بابن تيمية ثم بالوهابية والسلفية المعاصرة، بقدر ما ينبغي البحث عن بنية تاريخية قابلة للتجدد تتمثل في العودة إلى نصوص السلف في مواجهة المؤسسة الدينية القائمة، تحويل الخلاف العقدي إلى هوية جماعية فاصلة، تعبئة جمهور اجتماعي حول مشروع للتطهير الأخلاقي، والانتقال المتكرر بين المعارضة الشعبية والتحالف الوظيفي مع السلطة.

بهذا المعنى تبدو بغداد القرن الرابع والخامس الهجريين مختبرًا مبكرًا لظاهرة ستتكرر بأشكال مختلفة في التاريخ الإسلامي هي تحول العودة إلى الماضي المثالي من موقف فقهي وعقدي إلى مشروع لإعادة تشكيل المجتمع، وتحول الصراع على الماضي وفق ذلك إلى صراع على من يملك سلطة تعريف الحاضر. وربما تكمن أهمية حنابلة بغداد للسلفية الحديثة في أن تجربتهم تكشف، في صورة مبكرة وناضجة على نحو مدهش، الآليات الاجتماعية والسياسية التي يمكن أن تحول دعوة إلى استعادة الدين الأول إلى حركة شعبية تسعى إلى استعادة المجتمع والسلطة معًا.

[1] Christopher Melchert, The Fromation of the Sunni Schools of Law, 9th-10th Centuries C.E. (Leiden: Brill, 1997), p.137.

[2] Holtzman, Livnat, ‘Ḥanbalīs’ (10 Mar. 2015), in Natana DeLong-Bas (ed.), Oxford Bibliographies in Islamic Studies (New York, NY, online edn, Oxford Academic, 14 Dec. 2009 – ), https://doi.org/10.1093/obo/9780195390155-0210, accessed 3 Sept. 2026.

[3] Daniel, Elton L.. “ṬABARI, ABU JAʿFAR MOḤAMMAD B. JARIR.” Encyclopaedia Iranica. Published January 1, 2000. https://doi.org/10.1163/2330-4804_EIRO_COM_11375

[4] Ibid.

[5] ‘Izz al-Dīn Ibn al-Athīr, The Annals of the Saljuq Turks: Selections from al-Kāmil fī’l-Ta’rīkh, trans. D. S. Richards (London: RoutledgeCurzon, 2002).

[6] Olsson, S. (2018). Traditionalist forbidding of wrong in ‘Abbasid Baghdad. DIN, (1), 113–137. Retrieved from https://urn.kb.se/resolve?urn=urn:nbn:se:su:diva-158824

[7] Nassima Neggaz, “Al-Karkh: The Development of an Imāmī-Shīʿī Stronghold in Early Abbasid and Būyid Baghdad (132–447/750–1055),” Studia Islamica 114, no. 3 (2020): 265–315, https://doi.org/10.1163/19585705-12341402.

[8] Ibid.

[9] Livnat Holtzman, “The Caliph al-Qādir bi-llāh and the Qādirī Creed,” in Rulers as Authors in the Islamic World: Knowledge, Authority and Legitimacy, ed. Maribel Fierro, Sonja Brentjes, and Tilman Seidensticker (Leiden: Brill, 2024), 143–209, https://doi.org/10.1163/9789004690615_008.

[10] Yusuf Abdul Azeez, Azmi Shah Bin Suratman, Hussin Bin Salamon, and Ramli Bin Awang, “Al-Qāḍī Abū Ya‘lā: Thoughts and Influence on the Development of Legal Theory of Islamic Civilization and Sciences of Jurisprudence,” UMRAN – International Journal of Islamic and Civilizational Studies 1, no. 1 (2014): 1–10, https://doi.org/10.11113/umran2014.1n1.7

[11] Christopher Melchert, “The Ḥanābila and the Early Sufis,” Arabica 48, no. 3 (2001): 352–367, https://doi.org/10.1163/157005801323216457

[12, 14, 15] George Makdisi, “Muslim Institutions of Learning in Eleventh-Century Baghdad,” Bulletin of the School of Oriental and African Studies 24, no. 1 (1961): 1–56, https://doi.org/10.1017/S0041977X0014039X

[13] Daphna Ephrat, “Religious Leadership and Associations in the Public Sphere of Seljuk Baghdad,” in The Public Sphere in Muslim Societies, ed. Miriam Hoexter, Shmuel N. Eisenstadt, and Nehemia Levtzion (Albany: State University of New York Press, 2002), 31–48.

[16] George Makdisi, Ibn ‘Aqil: Religion and Culture in Classical Islam (Edinburgh: Edinburgh University Press, 1997), 292 pp.

[17]Han Hsien Liew, Preaching Pious Rulership in Medieval Islam: Ibn al-Jawzi’s Political Thought (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2026), https://doi.org/10.3366/9781399511315.

[18]Merlin L. Swartz, A Medieval Critique of Anthropomorphism: Ibn al-Jawzī’s Kitāb Akhbār al-Ṣifāt: A Critical Edition of the Arabic Text with Translation, Introduction and Notes (Leiden: Brill, 2002), 446 pp.

[19] Christopher Melchert, “The Ḥanābila and the Early Sufis,” Arabica 48, no. 3 (2001): 352–367, https://doi.org/10.1163/157005801323216457

Author