ماهي الفلسفة

ما هي الفلسفة؟

الفكرة الخاطئة عند عامة الناس أن الفلسفة هي ضرب من ضروب الجدل العقيم، في مسائل هي إلى الخيال أقرب منها إلى الواقع، ومن ثم فإن كثيراً من الناس يرون أن الفلسفة تبحث فيما لا فائدة فيه. ولهذا يقول عامة الناس عن الإنسان المجادل في موضوع ما إنه «يتفلسف»، وهم يعنون بذلك أنه يعاند في أمر ما، أو أنه يقول أشياء لا علاقة لها بحقيقة الواقع أو الموضوع المطروح للنقاش.

وبالرغم من أن الفلسفة علم تخصصي، لا يفترض فيه أن يكون مفهوما لعامة الناس، شأنه شأن العلوم التخصصية الأخرى، كالرياضيات والفيزياء والكيمياء، إذ أن لكل علم قواعده التي لا بد من دراستها دراسة منهجية لمعرفتها، إلا أن بعض الكتاب في مجال الفلسفة قد أسهموا في تعقيد مبادئها، وغموض أساسياتها، باستخدام أساليب ملتوية في التعبير عن أفكارهم، وفي الحديث عن الفلسفة، معتقدين بأن معالجة القضايا الفلسفية بهذه الصورة هو نوع من التفلسف، لكنهم في النهاية لم تكسب الفلسفة منهم إلا السمعة السيئة، باعتبارها تخصصاً غامضاً، مع أنها علم بسيط، وتخصص شيق، وحقل ممتع من حقول المعرفة.

لقد أسهم في غموض الفلسفة استخدام المصطلحات الفلسفية المعربة تعريباً صوتياً، بدلاً من الاعتماد على تعريفها من خلال معانيها. والمقصود بالتعريف الصوتي للمصطلحات الفلسفية كتابتها بحروف عربية، من خلال نطقها بلغتها الأصلية كما يقول المرء ” الديماغوجيا ” Demagogy بدلاً من قولها بتعريف المعنى وهو ” الغوغائية ” أي التهريج في الحوار وهكذا.

التعريف اللغوي للفلسفة:

ظهرت عدة تعريفات للفلسفة يصعب حصرها، لكن التعريف اللغوي للفلسفة يحدد لنا أهمية ماضيها وحاضرها ومستقبلها.

الفلسفة: هي السعي وراء المعرفة. فقد روى المؤرخ اليوناني هيرودوت أن كريسيس قال لصولون: «لقد سمعت أنك جُبت كثيراً من البلدان متفلسفاً» أي طالباً للمعرفة، وهذا يعني أن نشأة التسمية تفيد الشعور بالجهل والرغبة في المعرفة.

لكن المعنى الحقيقي لهذا النوع من المعرفة ينبع من مصطلح فلسفة Philosophy في حد ذاته؛ فقد اشتقت كلمة «فلسفة» في الأصل من كلمتين يونانيتين هما فيلو Philo وتعني «محب»، وسوفيا Sophia ومعناها «الحكمة». وعلى هذا فإن كلمة «فيلسوف» تعني: محب الحكمة، وتعني كلمة «سوفوس»: الحكيم.

وقد جاء على لسان أفلاطون أن الفلسفة هي محبة الحكمة، وأن الحكمة هنا لا تعني أي شيء آخر غير الحقيقة Fact. ولما كانت الحقيقة المطلقة مطلباً صعب المنال، فإننا نرى محبي الحكمة يلهثون دون كلل للوصول إلى شيء منها، كلما أمكن ذلك. ومن هنا يقول سقراط حكيم اليونان: الحكمة لله وحده، وإنما للإنسان أن يجد ليعرف، وفي استطاعته أن يكون محباً للحكمــة، تواقاً للمعرفة، باحثاً عن الحقيقة.

ما الدافع إلى التفلسف؟ وماذا نجني من ورائه؟

يقول أرسطو مجيباً على هذا السؤال المهم:«إن الدهشة هي الأم التي أنجبت الفلسفة» أي أن الدهشة هي أول باعث على التفلسف. لقد تأمل الإنسان في هذا الكون اللامتناهي، فتعجب لظواهره المختلفة، وتطلع لمعرفة أسراره، فكان أول دافع أو حامل له على كشف هذه الأسرار ما يرجوه من منفعة من وراء ذلك.

 بدأ الإنسان يتساءل عن أسباب سير الكون على هذا النحو، وعن السر الكامن وراء نشأته، وعن المصير الذي سيؤول إليه، فكانت هذه التساؤلات والتطلعات للإجابة عليها، هي بداية التفلسف والفلسفة. ومع ذلك يمكن القول إن هذه البداية كانت في عالم المطلق، الأمر الذي جعل الإنسان يبحث عن المبادئ الأولى للوجود والطبيعة، فكانت البداية عند الإنسان في هذا الاتجاه معرفة علة العلل أي «الله»، وبداية الكون الطبيعي المادي، وكيفية نشأته، والعناصر المادية الأولى في تكوينه. وهكذا كانت الفلسفة والتفلسف مُنصَبَّيْن على القضايا العامة للكون، بما فيها الإنسان، ولم يبدأ التفلسف بشكل تخصصي إلا بالبحث عن الحقيقة في جزئيات الكون. وقد جاء ذلك في مرحلة تقسيم المعرفة إلى تخصصات دقيقة، متمثلة في فروع الفلسفة المختلفة الموجودة منذ زمن أرسطو، كالعلوم الطبيعة، والعلوم الإنسانية بمختلف فروعها، وعلم ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا).

ماذا تعني دراسة الفلسفة؟

من المعروف أن لكـــل علم ميدانه الخاص الذي يبحث فيه، بحيث لا يتجاوز حدوده، إلا من حيث التبادل الوظيفي بينه وبين بعض العلوم الأخرى المشتركة معه في الأهداف. فعندما نتساءل عن ميدان علم الاجتماع، نجد أنه يدرس الظواهر الاجتماعية المختلفة في المجتمع، كما يدرس حياة الفرد في ظل حياة المجتمع، هذا إلى جانب دراسة العادات والتقاليد، ونجد علم الجغرافيا يدرس الأحوال الجوية والأقاليم والتضاريس وغيرها، وهكذا بالنسبة للعلوم الأخرى. وهذا يعني أن الفكر الإنساني قد اتخذ منهجاَ معيناً في دراسة كل تخصص، أي في كل جانب من جوانب العلوم الإنسانية والطبيعية.

أما ميدان الفلسفة وكما ندرسه في قسم الفلسفة، فهو مُنصبٌّ على دراسة تطور الفكر الإنساني منذ مراحل يقظته وتحفزه لمعرفة الحقيقة الكامنة وراء الظواهر المادية وغير المادية، بغية التنبؤ بها والسيطرة عليها. وكانت تلك هي طموحات العقل البشري، متمثلة في الهدف الأساسي للفلسفة والتفلسف.

على هذا فموضوع الفلسفة كما يدرس حالياً في أقسام الفلسفة ينصبّ على تطور الفكر الإنساني في محاولاته لمعرفة حقائق الكون في المجالات المختلفة للمعرفة. فعندما ندرس فلسفة السياسة فإننا نتابع التطور في الفكر الإنساني في محاولاته من أجل تحديد مفهوم الحرية، وتحديد مفهوم السلطة في أشكال مختلفة من الأنظمة السياسية، وعندما ندرس فلسفة الجمال، فإننا نتتبع تطور العقل البشري في إحساسه بالجمال، وكيفية التعبير عنه. وهكذا في بقية الفلسفات الأخرى.

إن هذا الأمر يعني أن الفلسفة تدرس الفكر والطريق الذي يسير عليه في تعامله مع كافة العلوم؛ لهذا نجد قسم الفلسفة، يدرس الفلسفة الإسلامية، والتصوف، ومقارنة الأديان، وفلسفة التربية، وفلسفة الأخلاق، وفلسفة السياسة، وفلسفة التاريخ والحضارة، وفلسفة القانون، وفلسفة الاقتصاد، وفلسفة اللغة، ونظرية المعرفة، وفلسفة الفن والجمال، وفلسفة العلوم، وفلسفة البيئة، فضلا عن المقررات الأخرى المتعلقة بموضوعات المنطق ومناهج البحث العلمي والفلسفي، ومن هذا المعنى يتضح لنا الغاية من دراسة الفلسفة، وهي الدراسة التاريخية التحليلية النقدية لتطور الفكر الإنساني منذ مراحل يقظته المبكرة.

ومن ثم فإن معرفة ما وصل إليه العلماء في المجالات المختلفة للمعرفة البشرية يعد نتيجة ومقدمة ضرورية لبداية التفلسف، من أجل الوصول إلى مرحلة أكثر معرفة في مجال ما. هذه الضرورة دعت أفلاطون في محاوراته الأولى للقول : «إن الفلسفة مرحلة أسمى من العلم، وإن الفيلسوف لا بد أن يكون عالماً أولاً، ثم يشرع بعد ذلك في التفلسف» لأن الفلسفة لا تُلتقَط من أفواه المعلمين، بل يجب أن تكون كشفاً شخصياً ومعرفة بالنفس.

ويمكن القول أن التفلسف في مفهومه الدقيق يعني التأمل العقلي المقصود لظاهرة معينة، في مجال من مجالات المعرفة، بهدف تفسيرها وتحليلها، بغية الوصول إلى القواعد المنطقية، أي القوانين العلمية الثابتة التي تتحكم فيها، حتى يمكن للإنسان التنبؤ بها، وهذه هي غاية العلم. وللتدليل على صدق هذا المعنى للتفلسف يقول أفلاطون «إن الفلسفة في جوهرها هي عملية توجيه، أو تحويل، أو هداية النفس برؤية الحقائق».

إذن فالتفلسف هو مرحلة الإبداع في كل علم من العلوم التخصصية، والتفلسف ينقل العالِم من مجترٍّ للمعرفة إلى مبدع فيها، أي من عالِم في تخصصه إلى فيلسوف في تخصصه، وما يؤكد على صدق أن التفلسف هو مرحلة الإبداع في كل علم من العلوم التخصصية، ما تحافظ عليه كثير من الجامعات الأوروبية والأمريكية حتى الآن، من تقاليد في منحها أعلى الدرجات الأكاديمية، في البحث العلمي اسم P.H.D وهو اختصار لتعبير «درجة الدكتوراه  في الفلسفة» في أي علم من العلوم. فالحاصل على درجة الدكتوراه في التاريـخ تعنــون شهادته باسم دكتوراه فــي الفلسفـة تخصص تاريخ P.H.D in History، والطبيب الذي وصل إلى أعلى الدرجات العلمية في الطب أي درجة التخصص الدقيق في الطب، يمنح شهادة دكتوراه في الفلسفـة تخصص طب، وهكذا.

اخترنا لكم

التصنيفات

الوسوم