ما هو علم الكلام

يعد علم الكلام من أهم العلوم الإسلامية التي عنيت بتقرير الأصول العقدية، وبيان أسسها، والدفاع عنها في مواجهة الشبهات؛ معتمدا في ذلك على النصوص الشرعية والأدلة العقلية، وقد احتل هذا العلم مكانة رفيعة في البناء الفكري للحضارة الإسلامية؛ لاختصاصه بالبحث في الذات الإلهية وما يتعلق بها من الصفات، وقضايا الكون والوجود والإنسان، وفق مناهج استدلالية، وأقيسة عقلية، وصيغ جدلية، كان لها أثر بالغ في صناعة التفكير العقدي، وامتداد تأثيرها إلى كثير من العلوم الإسلامية. ولتحديد معالم هذا العلم، والإجابة عن السؤال الذي يتصدر عنوان هذا المقال: «ما هو علم الكلام؟» نستعرض فيما يأتي أهم الجوانب التي تكشف عن حقيقته، من تعريفه، وغايته، ونشأته، وموضوعه، وتطوره.

تعريفه: تعددت تعريفات علم الكلام عند علماء المسلمين؛ تبعا لاختلاف تصورهم لموضوعه وغايته، فجاء كل تعريف معبرا عن تصور صاحبه لهذا العلم، ومن أقدم هذه التعريفات تعريف الفيلسوف الإسلامي أبي نصر الفارابي (ت 339 هـ)؛ فقد عرفه بقوله: »صناعة الكلام ملكة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي صربح بها واضع الملة، وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل«([1]).  

ويمثل هذا التعريف تصورا فلسفيا لعلم الكلام؛ فالفارابي وإن رفع من شأن هذا العلم حين وصفه بأنه صناعة تقوم على ملكة يقتدر بها الإنسان، غير أن قوله: »بالأقاويل« يفهم منه أن الأدلة الكلامية لا ترقى إلى مستوى اليقين، وأن وظيفة المتكلم عنده تقوم على نصرة الملة بالجدل والإقناع، لا على البرهان اليقيني كما هو شأن الفيلسوف([2])، وقد نجد هذه النظرة النقدية لأدلة المتكلمين عند ابن رشد أيضًا([3]).

أما المتكلمون فقد عرفوا علم الكلام بعبارات متقاربة في مقاصدها، ركزت في مجملها على بيان موضوعه وغايته ووظيفته، ومن أشهر تلك التعريفات تعريف الإيجي (ت 756 هـ): »علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه«([4]). وعرفه التفتازاني (ت 793 هـ) بأنه: »العلم بالقواعد الشرعية الاعتقادية المكتسب من أدلتها اليقينية«([5])، وفي السياق نفسه عرفه ابن خلدون (ت 808 هـ) بقوله: »علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، والرد على المنحرفين في الاعتقادات عن مذهب السلف وأهل السنة«([6]).

ويتبين من خلال هذه التعريفات أن المتكلمين، وإن اشتركوا مع الفارابي في إبراز الوظيفة الدفاعية لعلم الكلام، فإنهم يخالفونه في النظر إلى طبيعة أدلته وغايته؛ إذ يؤكدون أن أدلته قائمة على البرهان اليقيني، وأن غايته لا تقتصر على الجدل والدفاع، بل تمتد إلى تقرير العقائد الدينية وإثباتها.

غايته: وتأسيسا على تلك التعريفات يمكن القول: إن غاية علم الكلام هي إثبات العقائد الدينية ودفع شبهات الخصوم عنها بالأدلة اليقينية سواء أكانت عقلية أم نقلية، وهو ما يؤكد أن هذا العلم يقوم على دعامتين أساسيتين هما العقل والنقل، وإن تفاوت استخدام كل منهما حسب القضية المدروسة.

 وبذلك يمتاز علم الكلام عن الفلسفة، ذلك لأن البحث في علم الكلام يجري بحسب الأصول والقواعد المقررة التي جاء بها الوحي الإلهي، في حين أن البحث في الفلسفة يجري بمقتضى عقول الفلاسفة ومسلماتهم، فالعقل لدى الفيلسوف هو المنطلق الذي يبدأ منه وينتهي إليه في تقرير الحقائق التي يفترضها، أما المتكلم فهو يبدأ من عقائد دينية مبنية في أساسها على نصوص إلهية المصدر، ويفترض أن ينحصر عمله في بيانها وتأييدها بالحجج العقلية القطعية ودفع الشبه عنها([7]).

نشأته: تكشف مراجعة تاريخ علم الكلام وتتبع مراحل تطوره أن قضاياه لم تنشأ دفعة واحدة، بل كان هناك عدد من العوامل التي أثرت في ظهور مسائله وتكامل بنيته، إلى أن أصبح علما مستقلا له أدواته في البحث ومناهجه في الاستدلال، وتختلف تلك العوامل بين دينية وسياسية وثقافية، ويمكن أن نشير إليها فيما يأتي باختصار:

أولا: العامل الديني: (المصدر المعرفي)

يمثل النص القرآني المصدر الأول لنشأة موضوعات علم الكلام، وأصوله العقدية، إذ دعا إلى إعمال النظر والتفكر في الآيات الكونية الدالة على إثبات وجود الله تعالى، وبديع صنعته، وإتقان أفعاله، كما تضمن الآيات المحكمة والمتشابهة التي شكلت جزءا مهما من منظومة هذا العلم وتكامل أبوابه وفصوله، هذا إلى جانب اهتمام الوحي الشريف بقضايا النبوة وإرسال الرسل ومسائل البعث والأمور الأخروية، وهذه المفردات القرآنية تعتبر من صميم بحوث المتكلمين واهتماماتهم([8]).

وعليه فالنص القرآني لم يكن مجرد مصدر إلهام، بل كان المرجع المعرفي الأصيل الذي صاغ الإطار العقدي لعلم الكلام، وحدد مساراته الاستدلالية.

ثانيا: العامل السياسي: (الدافع التاريخي الداخلي)

إذا كان النص الديني يمثل الأساس المعرفي لنشأة علم الكلام؛ فإن العوامل السياسية كانت من أبرز الدوافع التاريخية التي أسهمت في ظهوره وتطوره، فقد أفضت الأحداث السياسية التي أعقبت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وما نتج عنها من خلافات حول الإمامة والخلافة، إلى إثارة جملة من المسائل العقدية، كحكم مرتكب الكبيرة، وحدود الإيمان والكفر، وعلاقة العمل بالإيمان، ومسؤولية الإنسان عن أفعاله، وهي قضايا لم تلبث أن أصبحت من أهم مباحث علم الكلام، وتوسعت فيها مناقشات الفرق الإسلامية حتى استقرت ضمن أبوابه الرئيسة([9]).

ثالثا: العامل الثقافي والفكري: (الدافع الخارجي وتطور المنهج)

لم تقتصر نشأة علم الكلام على العوامل الدينية والسياسية، بل أسهمت الحركة الثقافية والفكرية في العالم الإسلامي في اتساع مباحث علم الكلام وتطور مناهجه، ولا سيما بعد احتكاك المسلمين بأصحاب الديانات والمذاهب المختلفة، وما صاحبه من مناظرات عقدية، ثم انتقال علوم المنطق والفلسفة إلى البيئة الإسلامية عبر حركة الترجمة. وقد دفع ذلك المتكلمين إلى توظيف الأدلة العقلية وتطوير أساليب الاستدلال والجدل في الدفاع عن العقيدة الإسلامية والرد على الشبهات([10]).

موضوعه: موضوع علم الكلام هو بيان الأصول الاعتقادية والاستدلال عليها بالأدلة القطعية، سواء كان مصدرها عقليا أو شرعيا، وقد اختلف تناول موضوعات هذا العلم بين بدايات ظهوره وبين مراحله المتأخرة، فالمتقدمون لم يلتزموا تقسيما محددا لموضوعاته، وإنما عرضوا مباحثه بحسب سياق البحث العقدي دون إدراجها تحت تصنيف معين، كما يبدو ذلك واضحا في المصنفات الكلامية التي سبق ظهورها القرن السادس الهجري بشكل عام.

أما المتأخرون فقد استقر عندهم تقسيم موضوعات علم الكلام تقسيما ثلاثيا، وهو ما عرف بالإلهيات والنبوات والسمعيات، ويندرج تحت قسم منها عدد كبير من المسائل. هذا إلى جانب إضافة مبحث الأمور العامة في بداية تصانيفهم الكلامية كمدخل للشروع في دراسة قضايا الإلهيات([11]).

فالإلهيات تشمل المسائل التي تتعلق بوجود الله تعالى وصفاته وأفعاله، وقد عرض المتكلمون كل مسألة من هذه المسائل بطريقة دقيقة ومفصلة، مشفوعة بالأدلة العقلية والنقلية، وتعد الإلهيات من أوسع أبواب علم الكلام لكثرة مادته وتوسع مفرداته.

والنبوات تتضمن قضية النبوة وإمكانها وحاجة البشرية إليها، وعصمة الأنبياء ومعجزاتهم، والفرق بينها وبين كرامات الأولياء، ومن ثم إثبات نبوة نبينا على وجه خاص.

أما السمعيات فهي تضم جميع المسائل العقدية التي يتوقف إثباتها على النص ولا يمكن للعقل أن يتدخل فيها إلا بالتأييد والتعضيد، وذلك كأحوال البرزخ والبعث والحساب والميزان والصراط والجنة والنار وغير ذلك من الأمور الغيبية التي لا مجال للاطلاع عليها من قبل العقل([12])

ولا يعني هذا التقسيم أن المتقدمين لم يتناولوا هذه الموضوعات، وإنما كانوا يعالجونها من غير ترتيب اصطلاحي ثابت، ثم عمد المتأخرون إلى تنظيمها في أبواب وفصول أكثر إحكاما.

تطوره: يمكن ـ على سبيل التقريب ـ تقسيم تطور علم الكلام إلى خمس مراحل رئيسة، اتسمت كل منها بخصائص تميزها عن غيرها، وسنعرض لتكك المراحل بإيجاز فيما يأتي:

المرحلة الأولى: مرحلة نشأة علم الكلام

وهي المرحلة التي برز فيها الجدل حول بعض المسائل العقدية التي أفرزتها الأحداث السياسية كمسألة الإمامة، ومسألة الكفر والإيمان، ومسألة الجبر والاختيار، وتمثل هذه المناقشات النواة الأولى لنشأة علم الكلام؛ إذ تبلورت منها أهم مباحثه في المراحل اللاحقة، وعلى الرغم من كون هذه القضايا الكلامية محلا للبحث والجدل في ذلك الوقت إلا أن مصطلحي الكلام والمتكلم لم يكونا معروفين بعد، كما لم يكن هذا العلم قد عرف باسم مستقل، ومع ذلك، أشار التفتازاني إلى أن ما دار بين الصحابة من مناقشات في هذه القضايا يعد من علم الكلام من حيث الحقيقة، وإن لم يعرف بهذا الاسم؛ إذ يقول: »ودخل علم علماء الصحابة بذلك فإنه كلام وإن لم يكن وسمي في ذلك الزمان بهذا الاسم كما أن علمهم بالعمليات فقه وإن لم يكن ثمة هذا التدوين والترتيب«([13]).

وتمتد هذه المرحلة من عصر الصحابة إلى أواخر القرن الأول الهجري، حيث كانت مباحث علم الكلام لا تزال في طور النشأة ولم تتخذ بعد صورتها العلمية المستقلة([14]).

المرحلة الثانية: مرحلة التكوين والتدوين

بدأت هذه المرحلة في القرن الثاني الهجري، وفيها انتقل علم الكلام من المناقشات المتفرقة إلى التدوين والتنظيم. وقد ساعد على ذلك اتساع الدولة الإسلامية، واحتكاك المسلمين بالأمم الأخرى، وترجمة كتب الفلسفة والديانات، مما أوجد شبهات فكرية استدعت الرد عليها.

وفي هذه المرحلة ظهرت المدارس الكلامية المختلفة، كالمعتزلة والمرجئة والجهمية والشيعة، كما بدأت مدارس أهل السنة في بناء منهجها الكلامي. واتسعت المناظرات بين الفرق، ودونت المؤلفات في العقائد، وأصبحت مسائل الصفات والقدر والإيمان والإمامة وغيرها من أبرز موضوعات البحث الكلامي، فتكونت بذلك اللبنات الأولى لعلم الكلام بوصفه علمًا قائمًا بذاته([15]).

المرحلة الثالثة: مرحلة النضج والامتزاج بالفلسفة

تبدأ هذه المرحلة بالقرن السادس الهجري وتستمر حتى نهاية القرن التاسع، وقد اختلط فيها علم الكلام بالفلسفة، واعتمد المتكلمون على المنطق اليوناني، واستخدموا أساليبه إلى جانب المناهج الكلامية التقليدية، ولم يقتصر التطور في هذه المرحلة على مادة علم الكلام ومنهجه، بل امتد إلى تنظيم موضوعاته وكيفية عرضها، فقد اعتاد المتقدمون على أن يبدأوا مصنفاتهم الكلامية بأبحاث تمهيدية عن النظر والمعارف وبيان حقيقة العلم، أما المتأخرون فقد جمعوا هذه الأمور مع مباحث منطقية وطبيعية ضمن ما يعرف بالأمور العامة.

وتمثل مؤلفات الإمام الرازي (ت 606 هـ) في الوسط السني، ونصير الدين الطوسي (ت 672  هـ) في الوسط الشيعي بداية تشكل هذه المرحلة. ويمكن إرجاع هذا التحول إلى استيعاب الرجلين للأبحاث الفلسفية الدقيقة ومحاولتهما الإفادة منها في الدرس الكلامي، وكان لشرحيهما  على كتاب (الإشارات والتنبيهات) – وهو من أهم النصوص الفلسفية لابن سينا – أثر واضح في ترسيخ الاتجاه الفلسفي في علم الكلام([16]).

وقد بلغت هذه المرحلة ذروة نضجها في مؤلفات الإيجي، ولا سيما المواقف، ثم في شرح المواقف للجرجاني، وشرح المقاصد للتفتازاني، حيث استقر البناء المنهجي لعلم الكلام في صورته المتأخرة.

المرحلة الرابعة: مرحلة الجمود

وتوصف هذه المرحلة بأنها مرحلة توقف العقل الكلامي عن إفراز أبحاث جديدة ذات أصالة، والاكتفاء بإعادة العرض وتمجيد الماضي، فكان أغلب الإنتاج المعرفي لهذه المرحلة عبارة عن الشروح والحواشي، وإجراء المناظرات حول الأعمال الكلامية السابقة، ويمكن أن يلتمس بوادر هذا الجمود من القرون الأخيرة بدءا بالعاشر الهجري. ومع ذلك، لم يخل هذا العصر من جهود علمية في التدريس والشرح والتحشية، إذ أسهمت هذه الأعمال في حفظ التراث الكلامي ونقله إلى الأجيال اللاحقة، وإن كانت في معظمها تدور في إطار إعادة الصياغة والشرح أكثر من إنتاج مباحث جديدة([17]).

المرحلة الخامسة: مرحلة الإحياء والتجديد

بدأت هذه المرحلة منذ القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، مع بروز تحديات فكرية جديدة واحتكاك العالم الإسلامي بالغرب، مما دعا إلى إعادة النظر في علم الكلام وتجديد مناهجه بما يواكب القضايا المعاصرة. وقد سعى عدد من العلماء إلى إحياء هذا العلم، وتنقية مباحثه، وتوسيع موضوعاته، والإفادة من المناهج الحديثة في تقرير العقائد الإسلامية والدفاع عنها، مع المحافظة على أصوله وثوابته([18]).

ومع ذلك، لا يزال مشروع تجديد علم الكلام في طور التشكل، ولم تستقر بعد معالمه المنهجية، ولم يتبلور في صورة نسق كلامي متكامل.

وخلاصة القول: إن علم الكلام هو العلم الذي نشأ للدفاع عن العقائد الإسلامية وتقريرها بالأدلة العقلية والنقلية، ثم تطور عبر مراحل متعددة حتى أصبح علما مستقلا له موضوعاته ومناهجه، وأسهم إسهاما بارزا في تشكيل الفكر الإسلامي، وأثر في كثير من العلوم الإسلامية.


([1]) إحصاء العلوم للفارابي (ص 71).

([2]) انظر: تمهيد لدراسة علم الكلام للدكتور عبد الحميد مدكور (ص 12).

([3]) انظر: مناهج الأدلة في عقائد الملة (ص 136، 149، 158).

([4]) المواقف للإيجي (1/31).

([5]) شرح المقاصد للتفتازاني (1: 6).

([6]) المقدمة لابن خلدون (ص 458).

([7]) انظر: أثر الفلسفة اليونانية في علم الكلام للدكتور محمود عيد نفيسة (ص 28).

([8]) انظر: الفرق الكلامية لعلي عبد الفتاح المغربي (ص 46)، وتمهيد لدراسة علم الكلام للدكتور عبد الحميد مدكور (ص 69).

([9]) انظر: الفرق الكلامية لعلي عبد الفتاح المغربي (ص 54)، وتمهيد لدراسة علم الكلام للدكتور عبد الحميد مدكور (ص 80).

([10]) انظر: الفرق الكلامية لعلي عبد الفتاح المغربي (ص 59)، وتمهيد لدراسة علم الكلام للدكتور عبد الحميد مدكور (ص 83).

([11]) انظر مثلا: طوالع الأنوار للبيضاوي، والمواقف للإيجي، وشرح المقاصد للتفتازاني.

([12]) انظر: دراسات في العقيدة وعلم الكلام للدكتور مختار محمود عطالله (ص 16-17).

([13]) شرح المقاصد للتفتازاني (1: 6-7).

([14]) انظر: المدخل إلى دراسة علم الكلام للدكتور حسن الشافعي (ص 49).

([15]) انظر: المدخل إلى دراسة علم الكلام للدكتور حسن الشافعي (ص 67).

([16]) انظر: المدخل إلى دراسة علم الكلام للدكتور حسن الشافعي (ص 107).

([17]) انظر: المدخل إلى دراسة علم الكلام للدكتور حسن الشافعي (ص 114).

([18]) انظر: المدخل إلى دراسة علم الكلام للدكتور حسن الشافعي (ص 116).

Author

اخترنا لكم

التصنيفات

الوسوم