في خطوة استثنائية تسعى لإعادة الاعتبار للفكر النقدي والسؤال الفلسفي في المشهد الثقافي المحلي، شهدت العاصمة طرابلس، صباح يوم السبت الأول من أغسطس، على تمام الساعة الحادية عشرة صباحاً، حفل إشهار “المركز الليبي للدراسات الفكرية والفلسفية”، وسط حضور نخبوي حاشد من الأكاديميين، والباحثين، والمهتمين.
افتُتحت الاحتفالية بكلمة ألقاها نائب رئيس المركز أ. علي يونس؛ رحّب فيها بالحضور وأكد تطلّع المركز لأن يكون منارة للعقل وأداة عملية لمعالجة القضايا الوطنية والاستراتيجية، مع إيجاد بيئة حوارية آمنة.
ثم أحال الكلمة إلى رئيس المركز أ. فوزي الرزيني، الذي ألقى كلمة مطولة استعرض فيها تاريخ الفلسفة من ينابيع الحكمة الشرقية القديمة والتراث اليوناني، وحتى الفلسفة الإسلامية، موضحاً كيف استقبل العقل المسلم الفكر الفلسفي اليوناني بوعي وبصيرة نقدية، فلم ينقد له انقياداً أعمى ولم يعرض عنه بالكلية، وصولا إلى ليبيا التي أكد أنها لم تكن هامشية في هذا المسار الحضاري، بدءاً من مدرسة قورينا وحتى أعلام الفلسفة في الجامعة الليبية، مُشخصاً واقع الدرس الفلسفي وما شهده من انكماش وجفاء مجتمعي، مؤكدا أن الفلسفة لا تنازع الوحي سلطانه، بل تستضيء بنوره لخدمة الحقيقة وإيقاظ روح النقد، مشيراً إلى أن ولادة المركز جاءت كاستجابة ملحة لإعادة وصل الحاضر بالماضي وإحياء البحث الفلسفي، مستعرضاً أهداف المركز ومساراته البحثية الثلاثة (علم الكلام، الدراسات الفلسفية، الفكر المعاصر)، مستحضراً وصية الفيلسوف الراحل نجيب الحصادي: «دعونا نؤجل اختلافنا على الوطن، حتى يكون لنا وطنا نختلف عليه»، ومختتماً كلمته بشكر القائمين على إنجاح الفكرة والداعمين لها.
عقب ذلك، عُرضت مادة فيلمية توثيقية أطلعت الحضور على رسالة المركز، وأهدافه المستقبلية، والمسارات البحثية التي يطمح إلى الارتقاء بها.
الحوارية:
وانتقلت فعاليات الحفل بعد ذلك إلى جلسة حوارية رفيعة المستوى بعنوان «واقع الفلسفة في ليبيا»، أدارها نائب رئيس المركز أ. علي يونس، وجمعت كلاً من:
• د. كريمة بشيوة: أستاذة الفلسفة بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا.
• د. فوزية مراد: أستاذة الفلسفة بجامعة المرقب.
وعلى مدار ساعة ونصف من النقاش الشيق والعميق، فككت المشاركتان واقع الدرس الفلسفي في ليبيا، وأبرز التحديات الأكاديمية والمجتمعية التي تواجهه، فضلاً عن الآفاق المرجوة لإعادة التفكير الفلسفي إلى مساره الطبيعي كرافد نهضوي.
مداخلات ونقاشات الحضور:
فتح الحوار بعد ذلك باب المداخلات للجمهور، والتي أثرت النقاش بأبعاد مختلفة:
• الدعم الحكومي والتفكير الناقد: أوضحت د. سرتية صالح المستشارة بالهيئة العامة للبحث العلمي ومؤسسة الجمعية الليبية لفلسفة الأطفال، أن المبادرات الفلسفية والمؤسسية كثيرة، إلا أنها تعاني دائماً من غياب الدعم الحكومي والآذان الصاغية. وشدّدت د. سرتية على ضرورة إيلاء العناية القصوى لـ “التفكير الناقد” ودوره في تنشئة أجيال واعية ومفكرة، داعيةً إلى تدشين تعاون مشترك ومثمر بين جمعيتها والمركز الوليد.
• جذور الفلسفة الحديثة في ليبيا: من جانبه، قدّم المهندس عبد المطلب أبو سالم الباحث في التراث والتاريخ الليبي إضاءة تاريخية نوعية، مشيراً إلى أن معرفة ليبيا بالفلسفة الحديثة تعود لعقود طويلة قبل تأسيس الجامعة الليبية. مستشهداً بالدبلوماسي والمثقف الليبي حسونة الدغيس (المتوفى عام 1834)، الذي ارتبط بصداقة وثيقة مع الفيلسوف الإنجليزي جيريمي بنثام، وكانت له قراءات مبكرة لأعمال فولتير، فضلاً عن مشروعه الإصلاحي السياسي المبكر لحكم البلاد عبر الدستور.
• مشكلات التعليم وثقافة الحوار: بيّنت د. هند بن غزي أستاذة الفلسفة ووكيلة الشؤون العلمية بجامعة الزيتونة، أن أزمة الفلسفة في ليبيا تكمن في ثلاثة أضلاع: شيوع ثقافة التلقين، وغياب ثقافة الحوار، وغياب التفكير النقدي، مشجعةً على غرس التفكير النقدي في السنوات المبكرة للتعليم، ومستعرضة معوقات تدريس الفلسفة بالجامعات.
• خطورة التطرف وأهمية الترجمة: أثنى د. المهدي جحيدر أستاذ الفلسفة بجامعة طرابلس، على كلمة رئيس المركز معتبراً إياها كلمة جامعة مانعة، وخارطة طريق، وحذر د. المهدي من خطر التيار المتطرف الذي يحارب الفلسفة. كما نوه بأهمية علم الكلام كنسق إسلامي للفلسفة، وضرورة الانفتاح على الفكر الغربي بلا تبعية، ومتابعة جهود الرعيل الأول لأساتذة الفلسفة الليبيين.
• دور القرار السياسي والأنظمة التعليمية: أكد المهندس حافظ الشروي على محورية القرار السياسي في تدريس الفلسفة، مستشهداً بالنقلة النوعية في المملكة العربية السعودية من حظر الفلسفة إلى إدراجها، ونبّه إلى أن الفلسفة في الغرب لا تُدرّس في المدارس كمادة منفصلة، ولكنها تُشكّل روح النظام التعليمي القائم على التساؤل والتفاعل.
• ملامح المدرسة الليبية: أشادت د. مفيدة جبران المستشارة بالهيئة العامة للبحث العلمي ومديرة المشروع الوطني للتراث المادي وغير المادي، بكلمة رئيس المركز، واصفةً إياها بالورقة البحثية المتكاملة، مشيرة إلى أن الملامح العامة لمدرسة فلسفية ليبية ذات هوية محددة لم تتبلور بعد، وأن المقررات المُدرَّسة لا تخرج عن كونها إعادة إنتاج للأفكار الفلسفية القديمة، وهي خاضعة للانحيازات الشخصية للأساتذة، لافتة إلى أن جزءاً رئيساً من إشكالية واقع الفلسفة في ليبيا اليوم راجع إلى “أهل الاختصاص” أنفسهم، بالإضافة إلى عدم تقبل مسؤولي المؤسسات العامة في الدولة للمبادرات النقدية الجديدة.
• كما شهدت الحوارية مشاركات وإثراءات قيمة من الأساتذة والباحثين: وحيد الجبو، سليمان عريبي، ثريا الشامي، محمد سويدان، سيف الله الحطاب، إبراهيم المعمري، وحسين المزداوي.
التكريم والختام
واختُتمت الاحتفالية بتكريم ضيفتي الحوارية د. كريمة بشيوة ود. فوزية مراد؛ حيث قدم لهما رئيس المركز شهادات تقدير وعرفان لجهودهما وإسهاماتهما في إنجاح أعمال الحوارية والافتتاح، ليُسدل الستار على الحفل بـ التفاط صورة تذكارية جماعية ضمت الضيوف والقائمين على المركز والحضور.
