الشيعة الزيدية ولاهوت الثورة

بعد وفاة محمد الباقر سنة ١١٤ه/٧٣٣م، خلفه في قيادة المجموعة التي التفت حول الحسينيين ابنه جعفر الصادق الذي لم يكن هناك نزاع كبير في فضله وعلمه. وفي هذا المسار، تطورت النظرية الإمامية التي تفترض أن هناك إماما يعينه الله بالوصية من الإمام الذي يسبقه، وهو مختص بمعرفة دينية لا تكتمل بدونها المعرفة الدينية القويمة الضرورية للمؤمنين.

لكن عم جعفر، زيد بن علي بن الحسين لم يلتزم مسار أخيه وابن أخيه. كان زيد بن علي أشد انخراطا في النشاط السياسي والثقافي في العراق من أخيه محمد الباقر الذي كان مقيما في المدينة المنورة، ويُروى عنه تبنيه لمذهب المعتزلة الذي أسسه واصل بن عطاء في ذلك الوقت. وقد قرر زيد الثورة على الأمويين سنة ١٢٢ه/٧٤١م، لكن ثورة زيد انتهت بهزيمته ومقلته، ثم انتهت ثورة نجله يحيى بن زيد بهزيمة مثيلة وبمقتل يحيى بعد أبيه بثلاث سنوات. لكن جماعة من الشيعة في الكوفة تبنوا أفكار زيد بن علي، وابتعدوا عن الجماعة الشيعية الملتفة حول جعفر الصادق بن محمد الباقر، ومن هؤلاء نشأت الزيدية المبكرة.

يلخص الحاكم الجشمي، وهو من كبار علماء الزيدية في العراق في القرن الخامس الهجري، مذهب الزيدية قائلا: «والذي يجمعهم من المذاهب تفضيل علي، والقول أنه أولى من عمر بالإمامة، وأن الإمامة في ولده، وأن الخروج على الجائرين واجب، وأن الإمامة تستحق بالفضل والطلب لا بالوراثة»[1]. ثم يعيد أحمد بن يحيى المرتضى تفصيل عبارة الحاكم قائلا: «والزيدية يجمع مذهبهم تفضيل علي على سائر الصحابة، ورأيه بالإمامة، وقصرها من بعد الحسنين في البطنين، أي في ذريتهما، واستحقاقهما إنما يثبت بالفضل والطلب لا بالوراثة كما تقول العباسية، ويعتقدون وجوب الخروج على الجائرين من أهل الأمر، خلاف ما تزعم الحشوية [أهل الحديث الذين يذهبون إلى الأخذ بظاهر النص دون تأويل]، ويرون القول بالتوحيد والعدل والوعد والوعيد كالمعتزلة، فهذه الأمور لا يختلفون فيها»[2].

وقد أضاف الإمام يحيى بن حمزة، من أئمة الزيدية في اليمن، إلى ما تقدم ما يلي: «فمن كان على عقيدته في الديانة والمسائل الإلهية، والقول بالحكمة، والاعتراف بالعدل والتوحيد، وحصر الإمامة في الفرقة الفاطمية، والنص في الإمامة على الثلاثة الذين هم علي وولداه، وأن طريق الإمامة الدعوة فيمن عداهم [أي أن غيرهم من الأئمة لا يجري تعيينه بالنص كما يقول الشيعة الإمامية، وإنما عليه أن يخرج داعيا لنفسه لإقامة العدل ومواجهة الظلم]، فمن كان مقرًّا في هذه الأصول فهو زيدي»[3].

الزيدية المبكرة

كان على رأس زيدية الكوفة أبو الجارود زياد بن المنذر العبدي (ت. ١٥٠ه/٧٦٧م). اختلف أبو الجارود مع جماعة جعفر الصادق حول النص على إمامة علي بن أبي طالب بعد النبي، فقد قال أبو الجارود بأن النبي نص على علي بالوصف كما يظهر في الأحاديث الكثيرة المروية في فضل علي كحديث: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي»، وحديث: «من كنت مولاه فعلي مولاه»، لكن النبي لم ينص على علي بالاسم كما ذهب إلى ذلك الشيعة الإمامية الملتفين حول جعفر الصادق.

لكن الجارودية مع ذلك قالوا بضلال الصحابة وكفرهم لتجاهلهم هذه الأوصاف وعدم سعيهم للالتزام بها. وقد تمثل التمايز المحوري بين الزيدية الجارودية والجعفرية الإمامية حول مفهوم الإمامة. فبينما تمسكت جماعة جعفر الصادق بوجود سلسلة من الأئمة المنصوص عليهم بالاسم من علي بن أبي طالب وصولا إلى جعفر ثم ابنه موسى الكاظم الذي حاز إجماع أصحاب جعفر الكبار بعد موت جعفر سنة ١٤٨ه/٧٦٥م، فإن الزيدية الجارودية اتبعت زيد بن علي في القول بأن الإمامة استحقاق لمن كان من الفاطميين (البطنين، سلالة الحسن وسلالة الحسين) وخرج شاهرا سيفه داعيا إلى نفسه. ومن الواضح في تلك الصيغة منابذة جماعة جعفر الصادق ومحمد الباقر بالانتقاص منهم لقعودهم عن الثورة.

لم تكن الزيدية المبكرة لذلك أقرب إلى أهل السنة من الإمامية كما يبدو انطباعيا من أفكار وسلوك زيد بن علي، بل كان ينظر إلى الجماعة الجارودية داخل المجتمع الشيعي كفرقة من غلاة الشيعة البعيدة عن أئمة آل البيت. لذلك يمثل سليمان بن جرير الذي أسس جماعة زيدية جديدة بعد موت أبي الجارود إصلاحا زيديًا داخل الجماعة الشيعية. فقد قرّر سليمان بن جرير أفضلية علي على أبي بكر وعمر كما هو رائج في المجتمع الشيعي في الكوفة، ورأى أن الصحابة أخطأوا بمبايعة أبي بكر وعمر، لكنه خطأ لا يصح وصفه بالكفر أو الفسوق كما يذهب إلى ذلك غيرهم من الشيعة. كما قرّر سليمان صحة إمامة المفضول على الفاضل، وأن الإمامة تنعقد بالشورى والبيعة. لكن جماعة سليمان كفّروا عثمان بن عفان ومن حارب عليًّا من الصحابة كعائشة وطلحة والزبير رضي الله عنهم.

ومن الواضح أن الشيعة الزيدية من جماعة سليمان بن جرير كانوا حريصين على الاندماج في الجمهور السني، خاصة بعد نجاح الثورة العباسية. يظهر ذلك في الإصلاحات التالية التي نفّذها الحسن بن صالح بن حي (ت. ١٦٧ه/٧٨٤م)، وكثير السواء المعروف بالأبتر (ت. ١٦٩ه/٧٨٦م)، حيث نفى كلاهما تكفير عثمان والصحابة على طريقة سليمان بن جرير.

ثم استمر التقليد الزيدي في الكوفة، حيث اتبع زيدية الكوفة فقه أحفاد زيد بن علي الذي ينسب إليه المذهب، وهم أحمد بن عيسى بن زيد الذي توفي في البصرة متخفيا من السلطة العباسية سنة ٢٤٧ه/٨٦١م بعد الهجرة، والحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد، وهو من تلاميذ القاسم الرسّي، ومحمد بن منصور المرادي، وهو شيخ الناصر الأطروش مؤسس زيدية الديلم.

القاسم الرسِّي وزيدية اليمن

تزعم الشيعة الزيدية في مطلع القرن الثالث القاسم بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم الغمر (ت. ٢٤٦ه/٨٦٠م)، وهو المعروف بالقاسم الرسّي لإقامته في بادية الرسّ بالقرب من المدينة[4]. كان القاسم الرسّي فقيها ومتكلما كبيرا، انتمى إلى المذهب المعتزلي ورسّخ التقارب بين المذهبين الزيدي والمعتزلي، وألّف عددا من الكتب في الأصول والفروع، ويعد هو المؤسس الفعلي للمذهب الزيدي[5].

أعاد القاسم الرسي القول بالنص بالاسم على علي بن أبي طالب خلافا للزيدية الأوائل في الكوفة الذين قالوا بالنص على علي بالوصف دون الاسم، ومن بعد علي يأتي الحسن والحسين، ثم من بعدهما إثبات الدعوة وإيجاب البيعة لمن قام بالحق من ولديهما عليهما ‌السلام، إذا كان عالما بالحق عاملا بأحكامه، داعيا إلى سبيل ربه، ناصرا لأهله[6].

يقول القاسم الرسي: «أنا قاسمي المذهب في القول بالتوحيد والعدل ونفي الجور والتشبيه عن الله [مبادئ المعتزلة]، ورأي السيف في القريب والبعيد إذا عاند بعد الإنذار والبيان [الخروج على الحاكم الظالم حتى وإن كان من آل البيت]، فاطمي المقال في موالاة العترة والقول بإمامة سبطي الأئمة سيدي شباب أهل الجنة، وفي إثبات الدعوة وإيجاب البيعة لمن قام بالحق من ولديهما عليهما‌ السلام»[7].

ولم يرد عن القاسم الرسي كلام صريح في الصحابة، لكنه يصرح بوجوب مبايعة علي، وأن من حارب عليًا فقد حارب الله ورسوله، وأن من تخلى عنه في حروبه فهو ضال. وقد ظلت أفكار القاسم المرجع المحوري للفكر الزيدي من بعده.

انتقل يحيى بن الحسين بن القاسم الرسّي إلى اليمن سنة ٢٨٤ه/٨٩٧م، وتلقّب بالإمام الهادي. وقد أقام الهادي في صَعْدة مؤسسًا دولة زيدية في اليمن استمرت على مدى القرون التالية، وحفظت التراث الزيدي بعد أن تمكن الصفويون من القضاء على زيدية الديلم، وساد المذهب الإمامي بين شيعة العراق وإيران.

تتلمذ الهادي على أبي القاسم البلخي من شيوخ المعتزلة، ووضع مذهبا فقهيا قلّده زيدية اليمن يقوم على نقل آراء أئمة الزيدية من آل البيت من قبله، ويرفض الاعتراف بكتب الحديث عند أهل السنة. وقد توقف كثير من زيدية اليمن منذ الهادي عن سب الصحابة أو تفسيقهم أو تكفيرهم، لكن كثيرا منهم كذلك اقترب في القرن الرابع من الجارودية.

زيدية الديلم

في سنة ٢٥٠ه/٨٦٤م، نجح الحسن بن زيد المعروف بالداعي الكبير، وهو من أحفاد زيد بن الحسن بن علي، في إقامة إمارة علوية في طبرستان (شمال إيران، واسمها حاليا مازندان، وهي إلى الجنوب الشرقي من الديلم المعروفة أيضا بجيلان). ونجحت تلك الإمارة في الصمود أمام العباسيين حتى سقوطها في عهد أخو المؤسس، محمد بن زيد. وكان الحسن بن علي من ذرية عمر بن علي زين العابدين، وهو الملقب بالناصر الأطروش، هو من أطلق الدعوة الزيدية في ذلك الإقليم بعد سقوط الإمارة العلوية، وكان ذلك سنة ٣٠١ه/٩١٤م.

حمل الناصر الأطروش المذهب الزيدي معه منذ هجرته من الكوفة إلى طبرستان في عهد المؤسس الحسن بن زيد. وظل المذهب الزيدي قائما في طبرستان والديلم منذ دعوة الناصر الأطروش إلى فرض التشيع الإمامي على يد الدولة الصفوية.

صادفت الدعوة الزيدية في الديلم تأسيس دولة بني بويه انطلاقا من بلاد الكرج (جورجيا)، ثم نجح البويهيون في السيطرة على مقر الخلافة في بغداد سنة ٣٣٤ه/٩٤٦م. تبنى البويهيون المذهب الزيدي. ومن الواضح أن الدعوة الزيدية في ذلك الوقت كانت قد استقرت على النص على علي بالاسم كما ظهر عند القاسم الرسي، ومن بعده الحسن والحسين، ولذلك أظهر البويهيون العداء للصحابة باعتبارهم قد أجرموا في حق علي وخالفوا وصية النبي، كما أظهر البويهيون الاحتفال بيوم الغدير وإقامة طقوس الحزن في عاشوراء.

نجح التقليد الزيدي في الديلم في وضع تراث كلامي وفقهي ضخم للمذهب، خاصة من خلال أعمال المؤيد أحمد بن الحسين الهاروني (ت. ٤١١ه/١٠٢٠م)، وله كتاب التبصرة في التوحيد والعدل، وكذلك أخوه المهدي أبو طالب يحيى بن الحسين الهاروني (ت. ٤٢٤ه/١٠٣٣م)، وله كتاب الدعامة في الإمامة وكذلك المجزي في الفقه[8].

وقد ظهرت بين الزيدية في ذلك الوقت مسألة إمامة المفضول، أي هل يجوز أن يتولى الإمامة مفضول في ظل وجود الأفضل، وذهبت زيدية الديلم إلى عدم جواز إمامة المفضول على الفاضل، لذلك أبطلوا إمامة الخلفاء قبل علي بن أبي طالب، لأنهم ذهبوا إلى النص على علي بن أبي طالب والحسن والحسين، وأن عليًا أفضل من سائر الصحابة[9].

كما ذهبوا إلى عصمة الأئمة الثلاثة المنصوص عليهم، لكنهم اختلفوا مع الإمامية في عصمة سائر الأئمة بعدهم، فالأئمة عند الزيدية غير معصومين، وذلك مفهوم لأن الإمامة عند الزيدية بقيت إمامة سياسية بالأساس، أما الإمامة عند الإمامية فقد تحولت إلى إمامة دينية يتوارثها الأئمة في عقب الحسين بالنص من كل إمام على الذي يليه، وهو تعيين إلهي وليس اجتهادا من كل إمام في اختيار من يليه، لأن الإمام صاحب مهمة دينية في حفظ الدين وبيانه وإقامة الحجة على الناس، وليس مجرد قائد سياسي.

لاهوت الثورة

يمكن النظر إلى التشيع الزيدي بوصفه نوعًا من اللاهوت الثوري. فجوهر الإمامة السياسية عند الزيدية هو فعل سياسي متحقق في التاريخ، وليس الهداية الدينية، وشرط الإمامة هو الخروج بالسيف، وترتبط الشرعية ليس بمجرد النسب الفاطمي، بل بالعدالة، ولذلك يجب السيف (الثورة المسلحة) على الإمام الجائر وإن كان فاطميا. ولذلك فإن الخروج على الإمام الجائر ليس استثناءً تأسيسيًا ينتهي باستيلاء الإمام الفاطمي على السلطة، بل هو ممارسة سياسية مطردة. ويبدو أن العلاقة الوثيقة بين المعتزلة والزيدية قد أدت إلى تآزر مفهومي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المذهبين وتكاملهما في تصور سياسي متحفّز ضد الجور السياسي.

وقد ظهر هذا التحفز ضد الجور السياسي في كتابات الإمام الهادي يحيى بن الحسين مؤسس دولة الزيدية في اليمن. يعدد يحيى بن الحسين صفات الإمام عند الزيدية، فيضع له أربع خصال أساسية، الأولى هي الخصلة الخلقية، إذ يجب أن يكون الإمام «ورعا تقيا صحيحا نقيا، وفي أمر الله مجاهدا، وفي حطام الدنيا زاهدا»، والثانية هي الخصلة الفقهية، إذ يجب أن يكون «فهما لما يحتاج إليه، عالما بتفسير ما يرد عليه»، ثم ينتقل إلى الخصلة السياسية، فيدعوه إلى أن يكون «رؤوفا بالرعية متعطفا محسنا حليما، مساويا لهم بنفسه، مشاروا لهم في أمره غير مستأثر عليهم»، وأخيرا يطيل النفس في الخصلة الجهادية الحركية، فيصف الإمام المأمول بكونه «قائما شاهرا لنفسه، رافعا لرايته، مجتهدا مفرقا للدعاة في البلاد… مخيفًا للظالمين… لا يأمن الفاسقين ولا يأمنونه، بل يطلبهم ويطلبونه»[10].

يظهر في تلك الخصال التي يحددها يحيى بن الحسين نزعة مساواتية بين الإمام ورعيته، وحس له على الشوري، كما يظهر في نزعته الجهادية طابعا حركيا لا يرى في الإمامة فعل سكون واستقرار، بقدر ما يرى فيها فعل جهاد ودعوة وتدافع.

كما أن يحيى بن الحسين يظهر تفطنا مبكرا للاقتصاد السياسي للسلطة يعد لافتا في زمنه. فعندما يتناول دفع الزكاة للفقير المنحرف، ينتقل من ذلك إلى نقاش العلاقة بين السلطة السياسية والنشاط الاقتصادي، فيرى أن التجار والمزارعين الذين يعملون في ظل السلطة هم شرط قيامها، أو هم بالأحرى المضمون الاجتماعي المادي للدولة الذي تبقى الدولة بدونه شكلا سلطويا مجردا من الحقيقة الاجتماعية. ولذلك يعبر يحيى بن الحسين عن نقمته تجاه الزراع والتجار الذين يقيمون في دولة الجور ويدعمونها فيقول: «…كدأب الذين يعينون الظالمين ويقيمون دولتهم بزرعهم وتجارتهم، وينصرونهم على قتل المسلمين وهتك حريمهم وأخذ أموالهم، ولولا التجار والزارعون ما قامت للظالمين دولة ولا ثبتت لهم راية»[11].

كما يرى محمد عمارة أن التآزر المفاهيمي بين المعتزلة والزيدية لم يقتصر على مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل يرتبط كذلك بمفهوم العدل في المذهبين اللذين يؤكدان على حرية الإرادة الإنسانية ورفض مفهوم القدر في التصور الجبري له الذي ينقض حرية الإرادة الإنسانية، ورفض الاحتجاج بالقدر على القبول بالظلم. فمن يهادن الظالمين في رأي يحيى بن الحسين قد ينطلق في موقفه ذلك من التسليم بالجبر، أي افتراض أن الله يفرض على البشر واقعا لا يمكنهم تغييره بأعمالهم، «…ويقولون إن هذا الظلم الذين نزل بهم بقاء من الله وقدر، ولولا أن الله قضى عليهم بهذا الظلم الذي نزل بهم من هؤلاء الظالمين ما قدر الظالم أن يظلمهم…»، ويعقب يحيى بن الحسين قائلا: «فإذا كانت معرفتهم هذه المعرفة، وكان معبودهم الذي يزعمون أنهم يعبدونه هذا فعله بهم، فمتى يصل هؤلاء إلى معرفة الخالق؟! ومتى يدعونه ويستعينون به على ظالمهم؟!»[12].

وقد انتقل هذا الحس الثوري من السياسة إلى الفكر الزيدي، وتجسد في نزعة نقدية جذرية ظهرت بين كثير من العلماء من متأخري الزيدية الذين رفضوا التقليد، وذهبوا إلى الاجتهاد في الفقه، وبناء تصوراتهم الكلامية الخاصة، ومن أبرز هؤلاء محمد بن إبراهيم الوزير صاحب كتاب العواصم من القواصم، وصالح بن مهدي المقبلي في القرن السابع عشر الميلادي صاحب كتاب العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشايخ، ومحمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني صاحب كتاب سبل السلام، وأخيرا محمد بن علي الشوكاني صاحب كتاب نيل الأوطار، وهو من أهم الفقهاء المتأخرين في العالم الإسلامي.


[1] الحاكم الجشمي، عيون المسائل في الأصول، تحقيق رمضان يلدرم (القاهرة: دار الإحسان، ٢٠١٨)، ص٧٨.

[2] أحمد بن يحيى المرتضى، المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل، تحقيق محمد جواد مشكور (تبريز، ١٩٥٩)، ص٩٦.

[3] يحيى بن حمزة، الرسالة الوازعة للمعتدين عن سب صحابة سيد المرسلين، (صنعاء: مكتبة دار التراث، ١٩٩٠)، ص٥١.

[4] عبد المجيد الغيلي، بناء النظام الفكري للشيعة: القاسم الرسي، حكمة يمانية، ١٠ يوليو ٢٠٢٣.

[5] Wilferd Madelung, “Imam al-Qāsim ibn Ibrāhīm and Muʿtazilism,” in On Both Sides of al-Mandab (Stockholm: Swedish Institute in Istanbul,1989), pp. 39–48.

[6] Binyamin Abrahamov, “Al-Qāsim Ibn Ibrāhīm’s Theory of the Imamate,” Arabica 34/1 (1987), pp. 80–105.

[7] القاسم الرسي، مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي، تحقيق عبد الكريم أحمد جدبان (صنعاء: دار الحكمة اليمانية، ٢٠٠١)، ١/٦٥٢.

[8] عبد المجيد الغيلي، فكر زيدية الديلم: الأخوان الهارونيان، حكمة يمانية، ٢٤ يونيو ٢٠٢٤.

[9] عبد المجيد الغيلي، فكر زيدية الديلم: الإمامة في تراث زيدية الديلم، حكمة يمانية، ٨ مايو ٢٠٢٤.

[10] الإمام يحيى بن الحسين، «كتاب فيه معرفة الله من العدل والتوحيد وتصديق الوعد والوعيد وإثبات النبوة والإمامة في النبي وآله»، في محمد عمارة، رسائل العدل والتوحيد (القاهرة: دار الشروق، ٢٠٠٨)، ٢/٧٢.

[11] المصدر السابق، ٢/٩٩.

[12] المصدر السابق، ٢/٧٩.

محمود هدهود
باحث دراسات عليا – جامعة كولومبيا

Author